السيد محمد تقي المدرسي

319

من هدى القرآن

إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ كانت أعمالهم منحرفة ونفوسهم خبيثة ، لذلك أغرقهم الله ، ولم يبقِ أحد منهم على الأرض ، حيث استجاب الرب دعاء نوح فيهم حين دعاه قائلًا : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً [ نوح : 26 ] . سليمان عليه السلام والقضاء الفصل [ 78 ] وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ من مظاهر رحمة الله بعبده الذي يبحث عن الهدى ويجاهد من أجله ، إن الله سيهديه . وسورة الأنبياء تؤكد في مواضع مختلفة على هذه الفكرة وهي : إن العقل والهدى أفضل نعمة يتمتع بها الإنسان ، وقد وهب الله هذه النعمة لداود وسليمان حيث كانا يحكمان في قضية معقدة وقعت على عهدهم حيث إن قطيعاً من غنم قوم دخل حقل كرم لقوم آخرين ، وأفسد الزراعة . ولعلنا نستوحي من هذه القصة إن مجتمع داود كان ينقسم إلى قسمين : مجتمع زراعي ، ومجتمع رعاة ، وكانوا يختلفون ، حيث إن الرعاة كانوا يأتون بأغنامهم إلى المدينة ويطلقونها فإذا جنَّ الليل تهيج الأغنام فتدخل في الحقول المزروعة وتعبث بها ، وكان أصحاب الحقول يطالبون بدفع تعويضات عن خسارتهم . قال تعالى : إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ إن الغنم ترعى في الليل بشكل غير منتظم ، وهكذا حين دخلت على مزرعة الناس أهلكتها ، فلما جاء المزارعون رأوا أنه لم يبق من كرومهم شيء ، لا العناقيد ولا الأوراق ، فحكم داود - كما جاء في بعض النصوص - أن يكون الغنم من نصيب صاحب الحقل ، ولعلَّ حكمة هذا القضاء تكمن في أن على أصحاب الماشية حفظها ليلًا بينما على صاحب الزرع حفظها نهاراً ، حيث جاء في حديث مأثور عن رسول الإسلام محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله : [ إِنَّهُ قَضَى بِحِفْظِ المَوَاشِي عَلَى أَرْبَابِهَا لَيْلًا ، وَقَضَى بِحِفْظِ الحَرْثِ عَلَى أَرْبَابِهِ نَهَاراً ] « 1 » . وحسب ما جاء في الحديث : [ كَانَ كَرْماً وَقَدْ بَدَتْ عَنَاقِيْدُهُ ، فَحَكَمَ دَاودُ بِالغَنَمِ لَصَاحِبِ الكَرْمِ ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ : غَيْرُ هَذَا يَا نَبِيَّ الله ! قَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ : يَدْفَعُ الكَرْمَ إِلَى صَاحِبِ الغَنَمِ ، فَيَقُومُ عَلَيْهِ حَتَّى يَعُودُ كَمَا كَانَ ، وَيَدْفَعُ الغَنَمَ إِلَى صَاحِبِ الكَرْمِ ، فَيُصِيْبُ مِنْهَا حَتَّى إِذَا عَادَ الكَرْمُ كَمَا كَانَ ، ثُمُّ دَفَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ مَالَهُ ] « 2 » . فيكون أصحاب الغنم قد دفعوا ثمن إهمالهم وتفريطهم ، ويكون أصحاب البساتين قد عوضوا عن الأضرار التي لحقت بمزروعاتهم .

--> ( 1 ) مجمع البيان : ج 7 ص 79 . ( 2 ) روي ذلك عن أبي جعفر ، وأبي عبد الله عليهما السلام ، راجع مجمع البيان للطبرسي : ج 7 ص 103 .